محمد بن عمر التونسي

106

تشحيذ الأذهان بسيرة بلاد العرب والسودان

وتبعهم العرب أيضا ، فاغتنموا منهم غنيمة عظيمة ، ونجا الحاجّ مفتاح ، وفلّ من أصحابه برأس طمرّة « 1 » . وحين دخل الحاج مفتاح على الخليفة قال له : ما وراءك ؟ قال : يا سيّدى ، إني ناصح لك . صالح عمّك . وإن طلب منك مالا فأعطه إياه ، واجعلني أول ما يعطى ، فأنا فداؤك . فلما سمع الخليفة منه هذا الكلام زجره وقال : رجعت إلى أصلك يا عبد السّوء ، لكن اللّوم علىّ في أن أقدّمك على العساكر . ثم إن الخليفة حشد الحشود ، وفتح الخزائن ، وفرّق الأموال ، وأعطى الإقطاع . فجمع جيشا عظيما لا أوّل له ولا آخر ، وبرز يؤمّل النّصرة على السلطان ، فوصل إلى محلّ يقال له : تالدوا « 2 » ، فأدركه السلطان هناك ، ولما عاين كلّ منهما صاحبه ، رتّبا جيوشهما ، وصفّا صفوفهما . ( 99 ) وكان مع جماعة الخليفة رجل من الملوك يقال له : « بحر » الجبّاى ، وهو الذي يجبى الغلال للسلطنة ، ومعه [ من ] أتباعه ما ينوف عن عشرة آلاف من الخيل خلاف الرجّاله . فلما تلاقى الجمعان أخذ جماعته ، وزحف على جيش السلطان عبد الرحمن كأنه يريد قتالهم ، ودخل فيهم ، وألصق صفّه بهم ، وبقي يقاتل الخليفة ، فترك في صفوف الخليفة ثلما عظيما ، وفرجة ما قدروا على سدّها ، فانكسرت قلوب عسكر الخليفة بما فعل الملك بحر ، والتحم القتال ؛ فلم يكن إلا كلمحة بارق ، حتى تقهقر جيش الخليفة .

--> ( 1 ) الطمر بتشديد الراء : الفرس الجواد أو المستفز للوثب والعدو أو الطويل القوائم الخفيف . والأنثى طمرة ( اللسان ) . ( 2 ) تالدوا اسم يطلق الآن على جبل يقع شمال شرقي مدينة نيالا الحالية عند خط عرض 21 : 12 وخط طول 32 : 25 .